فخر الدين الرازي
205
شرح عيون الحكمة
السؤال الثالث : ان الانسان في بلاد الزنج لا يكون الا أسود . فلو فرضنا انسانا ما يرى الا بلاد الزنج ، ولم يسمع بوجود سائر البلاد . فهل له أن يحكم بأن كل انسان أسود ؟ ولما لم يجز ذلك ، علمنا فساد هذا الاعتبار . السؤال الرابع : ان هذه القضايا التجريبية لا تثبت صحتها إلا بعد مقدمات كثيرة . مثل : أن يقال : هذا الجسم الحادث لا بد له من سبب . وذلك السبب اما أن يكون نفس ذلك الجسم أو أمرا حالا فيه ، أو أمرا هو محله ، أو أمرا مباينا عنه . ولا جائز أن يكون المؤثر نفس الجسم ، ولا ما يكون محلا له ، ولا ما يكون مباينا عنه . ثم إنه لا يمكن ابطال استناد هذا الأثر إلى الأمر المباين ، الا إذا علمت أن إله العالم موجب بالذات ، لا فاعل مختار ، لأن بتقدير كونه فاعلا بالاختيار ، فلعلة أخرى ( هي ) عادته وطرد سنته ، بايجاد ذلك الأثر عقيب ذلك السبب من غير أن يكون لذلك السبب فيه تأثير . فثبت : أنه لا يمكن اثبات تلك المؤثرية الا بعد هذه المقدمات . ثم يقال : المؤثر يمتنع انفكاكه عن الأثر ، ويمتنع أن يوجد في ذلك المحل ما يمنعه من التأثير . ثم إنه بعد ظهور هذه المقدمة ، نعلم أن ذلك الأثر ، انما صدر عن ذلك المؤثر . فإذا كان العلم بصحة هذه القضايا التجريبية موقوفا على هذه المقدمات الغامضة الدقيقة ، فكيف يمكن جعل هذه المقدمة من المبادي الغنية عن الحجة والبرهان ؟ السؤال الخامس : وهو أن الجزم بصحة هذه القضايا التجريبية . ان كان غنيا عن البرهان ، كان ذلك من الأوليات ، فلم يمكن جعلها قسما آخر سوى الأوليات ، وافتقر إلى برهان آخر ، فحينئذ لا يمكن جعلها من المبادي . * * *